ابن ميثم البحراني
237
شرح نهج البلاغة
فكان هذان الاعتباران صادقين عليه تعالى أتمّ من صدقهما على كلّ موجود لا جرم كان بالكبرياء والعظمة أحقّ من كلّ موجود أمّا الأوّل : فلأنّه لمّا كان كمالات الذات عبارة عن الوجود وكماله فكان وجوده تعالى أتمّ الوجودات بحيث لم يفته من كماله شيء بل كلّ ما ينبغي له فهو حاصل بالفعل لا جرم صدق عليه هذا الاعتبار أتمّ صدق . وأمّا الثاني : فلأنّ وجوده تعالى هو الوجود الَّذي يصدر عنه وجود كلّ موجود عداه ، وهو تعالى عالم بجميع المعلومات كلَّيّها وجزئيّها فهو إذن عالم بكماله وشرفه على عبيده . واستعار لفظ اللبس باعتبار إحاطة كماله بكلّ اعتبار له كما يحيط القميص والرداء بجسد لابسه . الثاني : كونه تعالى اختارهما لنفسه دون خلقه . ومعنى اختياره هنا تفرّده باستحقاقهما لذاته فإنّ المستحقّ للعزّ والكبرياء بالذات ليس إلَّا هو ، ودلّ على ذلك المنقول والمعقول . وأمّا المنقول : فقوله تعالى « عالِمُ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ » ( 1 ) والألف واللام هنا يفيد حصر الكبرياء والعلوّ فيه ، وأمّا المعقول فلأنّه تعالى لمّا استحقّ ذلك الاعتبار لذاته لا بأمر خارج وإلَّا لكان مفتقرا إلى الغير . ثمّ ذمّ المتكبّرين وتوعّدهم في كتابه العزيز وعلى لسان نبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حيث قال حكاية عنه : الكبرياء ردائي . الخبر . علمنا أنّه قد اختار الاختصاص بهما دون خلقه . الثالث : وجعلهما حمى وحرما على غيره . استعار لفظ الحمى والحرم باعتبار اختياره لهما وتحريمهما على غيره من خلقه كما يحمى الملك المرعى والحرم . الرابع : واصطفاهما لجلاله : أي لتقدّسه وعلوّه عن شبه مخلوقاته استحقّ الانفراد بهذين فتفرّد بهما . وهو معنى اصطفائه لهما . الخامس : جعله اللعنة على من نازعه فيهما من عباده . إشارة إلى نحو قوله في الخبر المذكور : فمن نازعني فيهما ألقيته في جهنّم . ولا شكّ أنّ الملقى في جهنّم مبعّد مطرود عن الخير والرحمة . ولفظ المنازعة في الخبر مجاز في محادّة المتكبّرين
--> ( 1 ) 16 - 10 .